نتيجة استمرار العنف وشدته في سوريا بات العمل في الشأن العام ، ولاسيما العمل المدني والإغاثي محفوفا بمخاطر كبيرة في وقت تزداد فيه حاجة السكان وبالأخص في المناطق الساخنة والمحاصرة نتيجة القتال وقلة الموارد ، وقد فرض هذا الواقع ازديادا في عدد المنظمات والجمعيات وكذلك الناشطين و المتطوعين .

ساد عمل المنظمات والجمعيات المدنية وبشكل خاص الإغاثية منها نوع من الفوضى والارتجالية وعدم الشفافية ، فيما يخص آليات عملها ومحددات تعاملها مع الجهات التي تقدم لها المساعدات أو الشرائح الّتي تخدمها هذه المنظمات، كما أن العاملين في هذه المنظمات غير مؤهلين بشكل يجعل عملهم متكاملا مما زاد في تعقيد الوضع ، وهذا ما دفع بمركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا إلى طرح مشروع خاص بالشفافية والمراقبة وتنفيذه في مجال عمل المنظمات المدنية والإغاثية ، وذلك لتدريب وتهيئة مجموعة من الناشطين المتطوعين في تلك المنظمات العاملة في مدينة دمشق وريفها على كيفية التوثيق ، و تقييم العمل من أجل تحقيق شفافية أكبر في مجال العمل الإغاثي في سوريا. كما يهدف المركز من تنفيذ البرنامج ، إلى خلق نواة لمفهوم الشفافية والرقابة على عمل المؤسسات والمنظمات والمجالس المحلية وهيئات الإغاثة ، وكذلك تكوين قاعدة معلومات ومسح إحصائي وتفصيل للواقع ضمن المناطق المستهدفة ، وذلك بغية الوقوف على الواقع ودراسة احتياجات الأماكن الأكثر تضرراً وحاجة .
بعد اختيار دمشق وريفها كمنطقة مستهدفة لتنفيذ المشروع، تم تقسيمها الى 14 قطاع 7 قطاعات لمدينة دمشق و7 قطاعات لريف دمشق ، واستهدف المركز مجموعة مكونة من 12 ناشط مدني من دمشق وريفها لتدريبهم بالإضافة الى 7 ناشطين اخرين لم يتمكنوا من حضور ورشة العمل التدربية بسبب الظروف الأمنية و ينتمون الى منظمات وجمعيات مختلفة تعمل في المنطقة التي استهدفها البرنامج  ، و يتضمن عمل هؤلاء الناشطين الذين تلقوا التدريب مراقبة أعمال الجهات التي رشحتهم سواءً أكانت منظمات مدنية أو إغاثية أو أهلية أو مجالس محلي أو أي شكل آخر  ،أما بالنسبة للمرشحين المستقلين فلهم حرية الاختيار بتحديد الجهة التي سوف يراقبون أعمالها ، حيث يشمل ذلك كل المواضيع التي تدربوا عليها ضمن الورشة.
وقد كُلِّف الناشطون المتدربون بتوزيع استبيان على مجموعة من الأشخاص المعروفين بنشاطهم الثوري والإغاثي والمدني ، ومن ثم إعادة إرسال الاستبيانات المعبأة فور إتمامها من خلال البريد الإلكتروني ،وذلك بغية تفريغها في قاعدة البيانات تمهيداً لتحليل المعلومات الواردة .
بعد إرسال الاستبيانات إلى فريقالمركز وتفريغها وتحليل المعلومات والمعطيات الواردة فيها ، ومن خلال متابعة فريق العمل في الداخل تبين مايلي :
أهمية المشروع

تأتي أهمية المشروع  من الواقع الذي فرضته ظروف الأزمة الحالية على الشعب السوري من نزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية جراء الحرب الدائرة في بعض المناطق ، وتدمير الممتلكات وخسارة الوظائف كل هذا زج بشرائح كبيرة من المواطنين في دائرة الحاجة إلى المساعدة وعدم تمكن المنظمات الأهلية العاملة في مجال الإغاثة على توصيل المواد الاغاثية والطبية الى مستحقيها بشكل المطلوب لأسباب أمنية ، وهذا ما فرض نوع من السرية في عمل هذه المنظمات.
السرية في العمل الإغاثي حجبت كل المعلومات عن واقع الاغاثة في سوريا والاحتياجات الحقيقية للنازحين ومدى امكانية هذه المنظمات على تلبية الاحتياجات ، وقدرة العاملين في هذا المجال والمعوقات التي تعترض سبيل العمل الإغاثي كل ذلك دفع مركز المجتمع المدني والديمقراطية لطرح المشروع و عرضته على الجهات المانحة وذلك انطلاقا من مبدأ الشفافية الذي يعمل المركز على ترسيخه في المجتمع السوري ، وفي عمل المنظمات وقد استجابت الحكومة الكندية مشكورة بعد تقديم المشروع إليها ومنحت المركز الدعم المناسب لإنجاح هذا المشروع .

بعض الملاحظات حول الدراسة

بداية لابد من الاعتراف أن هذه الدراسة لم تكن حيادية في مسالة اختيار الأشخاص الذين تم تدريبهم واختيارهم لتنفيذ الدراسة في الداخل ، فقد تناولت شريحة تعتبر ذات توجه واحد فمعظمهم  يحملون وجهة نظر المعارضة ، وذلك لأسباب امنية وبالرغم من ذلك فقد كانت لهم آراء خاصة و معايير مختلفة في تناول الأمور بالنظر إلى تنوع قاعدة المعارضة في سوريا فكريا و قوميا و طائفيا ومناطقيا .
فقد وضع إطار زمني لهذه الدراسة بشهر واحد فقط يبدأ اعتبارا من عودة المتدربين من الورشة التدريبية الى مناطقهم في الداخل ، بينما العمل الإغاثي متغير ودينامكي يتغير بين فترة وأخرى لذلك لا يمكن اعتبار هذه الدراسة ملمة بكل تفاصيل الوضع الإغاثي ، لكنها تعطي صورة أولية يمكن الانطلاق منها نحو بناء أسس الشفافية و العمل المنظم .

ملامح العمل الإغاثي :
– تداخل عمل المنظمات الإغاثية في بعض المناطق ، ويمكن أن تتلقى العائلة الواحدة المساعدات من أكثر من جمعية ومنظمة إغاثية في نفس الوقت نتيجة ضعف التنسيق بين المنظمات العاملة في نفس المنطقة .
– نقص الخبرة وتفاوت القدرات لدى معظم العاملين في مجال جمع المعلومات او الحصول عليها حول أعمال المنظمات التي يعملون ضمنها .
– وجود تخوف لدى معظم العاملين في المنظمات من إعطاء المعلومات لأسباب أمنية لكون العمل الإغاثي يتم بسرية  ، كما أن ثقافة ومبدأ الشفافية لم تتكرس في المجتمع مسبقا وتستلزم وقتا وخبرة وممارسة حتى تأخذ دورها .

أهم النتائج هذه الدراسة
– تنوع العمل الإغاثي في المنطقة المستهدفة بين عمل تقوم فيه المنظمات الإغاثية والمجالس المحلية ، وبين عمل يقوم به الأفراد أو المجموعات الصغيرة غير المنتظمة ضمن إطار معين حيث تجمع المساعدات من الافراد ، وتقدم الى المحتاجين .
– رصدت الدراسة  اكثرمن 35 منطقة في دمشق وريفها ، وذلك اعتماداً على تركز نشاط كل من الناشطين الذين تم توزيع الاستبيان عليهم ، كان مستوى الرصد والتغطية متفاوتا من منطقة لأخرى ، وذلك تبعا لظروف كل منطقة وطبيعة وظروف الاشتباكات والدمار والنزوح فيها وتواجد المنظمات الإغاثية وقدرتها على الحركة .
– أظهرت نتائج الدراسة فعالية العمل الإغاثي ضمن بعض المناطق التي يسيطر عليها النظام سيطرة كاملة مثل (المزة والعدوي واشرفية صحنايا وجرمانا والزاهرة ) مقارنة بالمناطق التي يسيطر عليها كتائب المعارضة المسلحة بشكل كامل مثل الغوطة الشرقية ( دوما – حرستا – سقبا – مسرابا وغيرها ) حيث كان مستوى العمل الاغاثي جيدا ولكنه يحتاج دعما ماديا أكبر.
– حول التركيبة و التوزع الطائفي لسكان المناطق المضيفة للنازحين كان هناك تنوع يكاد يشمل كل الطوائف المتواجدة في سوريا ، ولم يقتصر النزوح على مناطق بذاتها من الناحية الطائفية ، وقد تصدرت المناطق ذات التمركز السني الترتيب من حيث استقبالها للنازحين وذلك لكون دمشق وريفها ذات غالبية سنية.
– يواجه العمل الإغاثي في المناطق المستهدفة جملة من المعوقات تحد من نشاط المنظمات الإغاثية وتتمثل في القصف العشوائي سواءً المدفعي أو بالطيران وانعدام الأمن وزيادة عمليات الاختطاف بشكل ملحوظ في العديد من المناطق بالإضافة إلى التبليغ عن العاملين  في مجال الإغاثة للجهات الأمنية التابعة للنظام  ، فالوضع الأمني غير المستقر  و يسبب خللا بالعمل الإغاثي من ناحية نقل المستودعات ، و صعوبة الحركة وتنقل العاملين والناشطين بين المناطق والصعوبة في إيجاد وسائل النقل ، وعدم وجود طرق لإيصال المساعدات.
– استمرار تدفق النازحين بأعداد كبيرة تفوق قدرة المنظمات على توفير الأماكن المهيأة  كمأوى لهم ، وعدم القدرة على تأمينها أحيانا ، وقلة الموارد ونقص المواد الطبية والغذائية والمحروقات التي ينبغي توفيرها لهذه الأعداد الكبيرة من النازحين بالإضافة إلى عمليات السرقة والنهب التي تطال المعونات والمواد الإغاثية المخصصة ، وعدم وصولها الى مستحقيها الفعليين.
– تفاوت فعالية عمل المنظمات الإغاثية في أداء عملها من منطقة لأخرى ، وبحسب قدرتها المادية وتلقيها للمساعدات الخارجية والظروف الأمنية التي تعمل في ظلها.
– بشكل عام تراوح نشاطها بين المقبول والجيد، إلا أنها افتقدت الى الدعم المادي، والقدرات الإدارية، وقلة عدد الكوادر المدربة، والمختصة في العمل الإغاثي،  وضعف التنسيق فيما بينها على الصعيد الداخل والخارج .
– كشفت الدراسة عدم التزام معظم المنظمات الإغاثية بالمعايير ومبادئ الشفافية في عملها حيث اتضح أن غالبية العاملين لا يعلمون حجم المساعدات الواردة الى منظماتهم ، أو تلك التي قدمت للعائلات أو ماهية الجهة التي قدمت المساعدات بالتفصيل.
–  لم يخضع توزيع المساعدات على النازحين لأي شروط إلا أن بعض جهات الإغاثة اشترطت وجود وثيقة (دفتر العائلة) كشرط لتقديم المعونات التي استندت في بعض الأحيان على بعض الأولويات والتفضيلات بحسب الضرر ، أو كون النازحين من عوائل الضحايا . وبالنسبة للمنظمات تم رصد حالات كانت تحكم عملها ونطاق التوزيع فيها اعتبارات سياسية ودينية وطائفية في التوزيع المساعدات.

التوصيات من أجل مشاريع مستقبلية
– نظرا للفترة الزمنية القصيرة التي نفذت فيها الدراسة ، والتي اقتصرت على شهر واحد كحد أقصى فقد تشكل نوع من الضغط على المتدربين في تحصيل المعطيات اللازمة وجمعها لذا يقترح مركز المجتمع المدني والديمقراطية تخصيص وقت كاف لهكذا نوع من الدراسات التي تتطلب كثير من الحركة ، والتواصل مع الناس بشكل حذر .
– إيجاد وسائل مبتكرة لتوعية الجمهور بمفهوم الشفافية و المراقبة من خلال الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي .
– تعزيز استقلالية العمل الإغاثي من خلال توعية قادة الرأي والوجهاء ، وضرورة أن لا يستثمر هذا الجهد لغايات سياسية أو طائفية أو شخصية .

Copyright © 2017 CCSD.