تُعتبر قضية الأقليات في العالم العربي بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص من أكثر القضايا الشائكة التي لطالما أسفرت عن نزاعات أهلية وتدخلات خارجية وزعزعة للوحدة الوطنية، فضلا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويفتقر حتى الآن القانون الدولي من تعريفاً واضحا ومتفق عليه لمصطلح ₺الأقلية₺ وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة من طرف خبراء حقوقيين وقانونيين في الأمم المتحدة. ويمكن بشكل عام أن نطلق هذه التسمية على مجموعة من الأشخاص في وضع عددي أو سياسي غير مهيمن في دولة ما وتجمع بينهم صفات مشتركة، سواء أكانت لغوية أو عرقية أو اجتماعية أو ثقافية، إلخ.
وهنا لابدّ من الإشارة بأن مصطلح ₺الأقلية₺ أو حتى ₺حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات₺ لم يُدرج في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) نظراً لرفض الكثير من الدول الاعتراف بالأقليات الموجودة على أراضيها وبالتالي كانت الفكرة السائدة بأنّ إعمال حقوق الإنسان بشكل عام وخاصة مبدأ المساواة كفيل بتحقيق حقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات وبالتالي اندماجهم بمجتمعاتهم. إلا أنّ هذه الفكرة المغلوطة سرعان ما تمّ استبدالها أثناء الأعمال التحضيرية للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) الذي أشار صراحة إلى الأقليات في مادته 27 التي تنصّ على أنه ₺لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات أثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم
في الحقيقة إنّ إعمال مبدأ المساواة غير كافٍ بحدّ ذاته لاحترام جميع حقوق أبناء الأقليات نظراً لوجود بعض الاختلاف في طبيعة هذه الحقوق عن بقية أبناء الوطن، ولاسيما منها الحقوق الثقافية. وفي هذا الصدد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، وهذه المرة الأولى التي يتم فيها اعتماد صك دولي خاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات. وإذ يقرّ هذا الإعلان بمجموعة من الحقوق الأساسية لأبناء الأقليات فإنه يؤكد بنفس الوقت في مادته الثامنة على ضرورة تأمين المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي.
تُعتبر معالجة قضايا الأقليات من أهم التحديات التي ستواجهها مختلف الأنظمة السياسية العربية التي ستفرزها التطورات الحالية التي يشهدها العالم العربي. بالتأكيد إنّ هذه التغيرات ستلقي بأثرها المباشر على الوضع القانوني للأقليات وهنا يتوجب على هذه الأنظمة أن تعمل على إشراك الأقليات في العملية السياسية واحترام حقوقها الثقافية والاجتماعية حتى يتم المساهمة في اندماجهم بمجتمعاتهم على أساس من المساواة التامة وبالتالي تحقيق نهضة المجتمع وتجاوزه لمشاكل الأقليات بما فيها التدخلات الخارجية ونزعة الانفصال، وفي هذا فائدة ليس فقط لهذه الأقليات إنما أيضا لجميع أبناء الوطن.

Copyright © 2020 CCSD.