نشرت المنصة المدنية السورية تقريراً يتحدث عن الاعتقالات الحاصلة في محافظة دمشق التي يقوم بها النظام السوري وأجهزته الأمنية، حيث رصد التقرير الأنماط الأكثر شيوعاً للإعتقالات في الأشهر الأخيرة، وانعكاساتها على الحياة العامة في عام 2020

فيما يلي التقرير كما ورد من موقع المنصة المدنية السورية :

لم يستنكف النّظام السّوريّ وأجهزته الأمنيّة يوماً واحداً عن القيام بعمليات اعتقالٍ في المناطق التي يسيطر عليها، حيث يُعدّ الاعتقال واحدةً من أهم الأدوات التي يستخدمها النّظام في سيطرته على السّكان، وما يتضمّنه من إرهابٍ لهم، غالباً ما يتمّ الاعتقال دون أيّ مذكرة اعتقالٍ من جهة قضائيّة، ويشبه كأسلوبٍ؛ الإخفاء القسريّ حيث يبقى المعتقل لأسابيعٍ وأحياناً لأشهرٍ حتى يعرف هو أو ذووه بأيّ مكانٍ موجودٍ، يضاف إلى ذلك كلّه ما يرافق التّعذيب من حرمانٍ من الحقوق الأساسيّة، وتعذيبٍ يصلُ في كثيرٍ من الحالات لدرجةٍ قتل المعتقل. وبالرغم من أن الاعتقالات أخفّ من السابق لكنها تبقى هاجساً لدى سكان دمشق وريفها، ويتابع النّاس أخبارها ويتناقلونها سِرّاً. في هذه الورقة ترصد المِنصّة المدنيّة السّوريّة الأنماط الأكثر شيوعاً للاعتقالات في الأشهر الأخيرة، وانعكاساتها على الحياة العامة في عام ٢٠٢٠.

أولاً- أنواع الاعتقالات:

  • الاعتقال بقصد السّوق للخدمة العسكريّة الإلزاميّة:

لم تتوقف يوماً واحداً على مرّ السّنوات الماضيّة الاعتقالات بغرض السّوق للخدمة العسكريّة الإلزاميّة من خلال الحواجز الثابتة والحواجز المؤقتة “الطيّارة” التي توضع بشكلٍ فجائيٍ بنقاطٍ غير متوقعةٍ للتفتيش على المتخلفين عن الخدمة العسكريّة الإلزاميّة، ويزداد التشديد في حال اقترب موعد السّوق وهناك سوق في 15/3/2020.

من ناحيةٍ أخرى كانت أجهزة النّظام السّوريّ؛ قد استدعت المعفيين من الخدمة الإلزاميّة من أبناء مدينة دوما بتاريخ 22\1\2020، كما قام حاجز حرستا العسكريّ بتنفيذ حملة مداهماتٍ واعتقالاتٍ وتفتيشٍ دقيقٍ للسيارات الخاصة والعامة بقصد السّوق للخدمة الإلزاميّة. وقام حاجز مشفى حرستا بإعطاء مذكرة مراجعة للشرطة العسكريّة لمئات الشّباب المؤجلين دراسياً أو حاملي صفة وحيدٍ، وهم المعفيون من الخدمة العسكريّة سابقاً.

كما قام الأمن العسكريّ، والأمن الجويّ، بحملة اعتقالاتٍ من الأسواق في الهامة وقدسيا بتاريخ 13-2-2020 بهدف السّوق للخدمة العسكريّة، كما تمّ نشر حواجزٍ مؤقتةٍ وضعت في ساحات مدينة جرمانا لذات الغرض.

  • الاعتقال للمشمولين بالمصالحات:

في الغالب كانت تستهدف الشّباب من الغوطتين الشرقيّة والغربيّة، والشّباب من درعا المحولين لدمشق، الذين قاموا بتسوية أوضاعهم وحصلوا على بطاقة تسوية وضعٍ، حيث تعرض البعض منهم للاعتقال بناءً على تُهمٍ أو أفعالٍ منسوبةٍ إليه، وأحيلوا إلى القضاء المختص (محكمة قضايا الإرهاب، القضاء العسكريّ) ليحاكموا على أفعالٍ سبق وسوّيت أوضاعهم عنها. وتكثر هذه الحالات على الحواجز أثناء التنقل من منطقة لأخرى، كما تمّ تسجيل حوادث اقتيد فيها الأشخاص من منازلهم أو من أماكن عامةٍ كالمقاهي والمطاعم، وطالت حتى الأشخاص الذين يؤدون الخدمة العسكريّة داخل ثكناتهم، ويصرّح القضاة أن هذه التسويات غير مُلزمةٍ للقضاء، وأنّ التسوية لا تعني إسقاط دعوى الحقّ العام، بخلاف الوعود التي قدمت لهم عند إقرار المصالحات.

“يقول المحامي ح.ا: “أترافع عن شابٍ من درعا قام بتسوية أوضاعه عن طريق المصالحات وقام بتسليم نفسه للشرطة العسكريّة في درعا وتمّ تحويلة للشرطة العسكريّة في دمشق ومنها تمّ تحويله مباشرةً لمحكمة الإرهاب” 

كما تمّ رصد حالات اعتقالٍ في العام الفائت في كلّ من بلدات سقبا وحمورية وحرستا وزملكا من قبل المخابرات الجويّة ل / ١٨/ شاباً كانوا يعملون بالدفاع المدنيّ، أثناء سيطرة الفصائل المسلحة على الغوطة بالرغم من تسوية أوضاعهم أثناء المصالحات (بحسب المرصد السّوريّ لحقوق الإنسان).

“والمحامي ح.ش يقول: ” لدينا حالةٌ لشابٍ من درعا قام بالالتحاق بالخدمة العسكريّة بعد تسوية وضعه بالمصالحات، وبعد عامٍ ونصف من الخدمة العسكريّة تلقى مذكرة دعوى لمحكمة الإرهاب؛ ولما ذهب لحضور جلسته تمّ توقيفه”.

  • اعتقالاتٌ مجهولة السّبب:

حيث تقوم الأجهزة الأمنيّة باعتقالاتٍ دون ذكر السّبب للأفراد من أماكن عامةٍ، أو من منازلهم أو على الحواجز، ولا تستجيب هذه الأجهزة لمطالب المحامين بمعرفة السبب، وفي كثيرٍ من الحالات يتمّ فقد المعتقلين أثناء تحويلهم من جهاز أمنيّ للآخر، حتى وإن كان الاعتقال الأول في مكانٍ معروفٍ.

وشهدت منطقة قدسيا في 11/2/2020 حملة اعتقالاتٍ؛ حيث نصب الأمن السّياسيّ حواجز طوقت المنطقة بشكلٍ فجائيٍ، وقامت باعتقال 7 شبانٍ لأسبابٍ مجهولةٍ.

كما شهدت منطقة كفر بطنا في الغوطة الشرقيّة حملة اعتقالاتٍ استمرت عدة أيامٍ في مطلع شهر شباط كان حصيلتها اعتقال 12 شخصاً أيضاً لأسبابٍ مجهولةٍ.

“يقول صاحب أحد المحال التجاريّة في قدسيا: ” بيمرق وقت طويل ما بيصير شي وفجأة بترجع الاعتقالات بنشوفهم عم يشحطوا هالشباب لا فينا نسأل ولا نتدخل وإلا بننشحط معهم وما حدا بيعرف لا السبب ولا شو صاير المهم يخلوا هالناس خايفة كلّ الوقت”

  • اعتقالاتٌ لحيازة القطع الأجنبيّ:

 استندت إلى مرسومين تشريعين أصدرهما بشار الأسد، وهما المرسوم رقم 3 و4 في 18-1-2020 لتجريم التداول بالقطع الأجنبيّ، أو نشر الأخبار عنه، بعد موجةٍ من الاحتجاجات التي طالت مناطق سيطرة النّظام بسبب تدهور سعر العملة وضعف القدرة الشرائيّة للسكان.

حيث ينصّ المرسوم 3: بمنع التعامل بغير الليرة السّوريّة كوسيلةٍ للمدفوعات، ومن يخالف يعاقب بالأشغال الشّاقة المؤقتة لمدةٍ لا تقلّ عن سبع سنواتٍ، والغرامة الماليّة بما يعادل مثلي قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به، أو المسدد أو الخدمات أو السّلع المعروضة، بالإضافة لمصادرة المدفوعات أو المبالغ المتعامل بها، أو المعادن الثّمينة لصالح مصرف سوريّة المركزيّ.

بينما ينصّ المرسوم 4 على: على اعتقالٍ مؤقتٍ وغرامةٍ تتراوح ما بين مليون إلى خمسة ملايين ليرةٍ سوريّةٍ؛ لأيّ شخصٍ ينشر على أيّ وسيلةٍ إعلاميّةٍ أو على صفحات التواصل الاجتماعيّ أيّ معلوماتٍ من شأنها إحداث التّدني أو عدم الاستقرار في أوراق النقد الوطنيّة، أو أسعار صرفها المحددة بالنشرات الرسميّة أو لزعزعة الثّقة في متانة نقد الدّولة، وسنداتها، وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة الماليّة العامة.

في حين حدد المصرف المركزيّ سعر الدولار ب 700 ليرةٍ سوريّةٍ يقوم الصرافون بصرف الدولار مقابل أسعار تتراوح بين 900 و1100 وتجاوزت في بعض الأيام عتبة 1200 ليرةٍ.

وبمجرد صدور المرسومين حتى بدأت حملات اعتقالٍ طالت بشكلٍ أساسيّ صرافين وصيّاغ الذّهب والأشخاص الذين كانوا بمحالهم، بهدف قيامهم بالتّصريف، بالإضافة لبعض التّجار المضطرين للتعامل بالقطع الأجنبيّ، لاستيراد بضائعهم على الرغم من أن حاكم مصرف سوريّة المركزيّ كان قد صرح بأن المرسومين لا يشملان المصدرين والمستوردين.

“تقول ر.ط: ” بعد اعتقال أحد صيّاغ الذّهب الذي كان يقوم بتصريف الدولار في جرمانا معظم الصرافين والصيّاغ توقف عن التصريف خوفاً من الاعتقال، والذي لا يزال يصرف يستغل هذا الخوف وحاجة النّاس للتصريف، ويصرف ب 850 وهكذا أصبح معظم النّاس يعتمد على المسافرين العائدين ليقوموا بالتصريف خارج سوريا قبل عودتهم لكن هذا لا يسدّ الحاجة، بالإضافة للقلق من عمليات النصب بحال لم يكن هناك معرفةٌ سابقةٌ”

كما أن حملات التفتيش لم تقتصر على التّجار، ومكاتب الصرافة إنما تعدتها للمارّين في الطرقات، حيث يتمّ تفتيشهم، والبحث عمّا إذا كانوا يحملون دولارً معهم.

“تقول سيدةٌ في أبو رمانة: ” ونحنا مشايين بالطريق ناح أبو رمانة في شباب لابسين مدني واقفين عالطريق اعترضونا وطلبوا نفتح الجزادين ليشوفو إذا فيها دولارات لا عرفنا إذا هني نصابين أو ممكن ينشلو مننا ولا عرفنا إذا هني أمن وما بنسترجي نسأل بنكون بقصة وبنصير بشي تاني وبعد ما فتشونا ومشينا طلعت لورا ولسا عم يفتشوا الناس”

  • اعتقال النشطاء والتّضييق عليهم:

انخفضت وتيرة الاعتقالات للنشطاء المدنيين حالياً إلا أنّهم/ن يستدعون للتحقيق بصورةٍ مستمرةٍ، ويهددون بالاعتقال ما لم يحضروا وفي العديد من الحالات يمنعون من السّفر خارج القطر.

“يقول ر.ك: “بتجينا كتير دعوات للمشاركة بأنشطة خارج سوريا، وبالغالب بنعتذر خوفا من الأجهزة الأمنية، ورغم هيك بيتصلوا بيسألونا وبيتأكدوا إذا بدنا نحضر هدول العالم إلهم ناس وين ما كان وكلّ شي صار مخترق والنشطاء والناشطات أكتر شي بيخافوا منو الاعتقال، هلق صحيح الاعتقالات أقلّ وما الكل بيستدعي للتحقيق بس بيضلهم يتصلوا ويسألوا ليحسسونا كلّ الوقت إنو مراقبين ونضل خايفين”

ثانياً- مدة التّوقيف الإداريّ:  

لم ينصّ الدّستور السّوريّ على مدة التّوقيف الإداريّ (التّوقيف أمام الضابطة العدليّة) قبل الإحالة إلى القضاء المختص، كما يخلو القانون السّوريّ من أيّ إشارةٍ لمدة التّوقيف الإداريّ، إلى أن صدر المرسوم التشريعيّ \55\ الصادر في 21/4/2011 القاضي بإضافة الفقرة 3 إلى المادة 17 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، الصادر بالمرسوم التشريعيّ 112 لعام 1950 المتعلقة باختصاص الضابطة العدليّة، لتحدد مدة التوقيف  في بعض الجرائم أمام الضابطة العدليّة، أو المفوضين باختصاصاتها بـ 7 أيامٍ قابلةٍ للتجديد بإذن النّائب العام على ألّا تتجاوز 60 يوماً. وفيما يلي النصّ الحرفيّ للمرسوم التّشريعيّ رقم 55 لعام 2011:

«تضاف إلى المادة 17 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة الفقرة التالية:

3- تختص الضابطة العدليّة أو المفوضون بمهامّها باستقصاء الجرائم المنصوص عليها في المواد من 260 حتى 339 والمواد 221و388 و392 و393 من قانون العقوبات، وجمع أدلتها، والاستماع إلى المشتبه بهم فيها، على ألّا تتجاوز مدة التحفظ عليهم سبعة أيامٍ قابلةٍ للتجديد من النائب العام وفقاً لمعطيات كلّ ملفٍ على حِدةٍ وعلى ألّا تزيد هذه المدة على ستين يوماً»

والجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم التّشريعيّ، هي جرائمٌ متعلقةٌ بأمن الدّولة الدّاخليّ والخارجيّ، أما باقي الجرائم المنسوبة إلى الموقوف فلم يرد عليها نصٌّ يحدد مدة التّوقيف الإداريّ فيها، هذا من جهة أما من جهة ثانيةٍ فقد أتاح هذا التعديل تفويض صلاحيات الضابطة العدليّة إلى جهات أخرى.

أما مدة التّوقيف في النّظارة بعد إحالة الموقوف إلى القضاء فهي محددةٌ بـ أربعٍ وعشرين ساعةً وفق نصّ المادة 104 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة السّوريّ والتي نصّت على:

1- يستجوب قاضي التحقيق في الحال المدعى عليه المطلوب بمذكرة دعوى. أما المدعى عليه الذي جلب بمذكرة إحضارٍ فيستجوبه خلال أربعٍ وعشرين ساعةً من وضعه في النّظارة.

2- في حال انقضاء أربعٍ وعشرين ساعةً يسوق رئيس النّظارة “من تلقاء نفسه” المدعى عليه إلى النائب العام، فيطلب هذا إلى قاضي التحقيق استجواب المدعى عليه. فإن أبى أو كان غائباً أو حال دون ذلك مانعٌ شرعيٌّ، طلب النائب العام إلى قاضي تحقيقٍ آخر أو إلى رئيس المحكمة البدائيّة أو إلى قاضي الصّلح أن يستجوبه. فإنّ تعذر استجواب المدعى عليه أمر النّائب العام بإطلاق سراحه في الحال.

هذا من ناحية القوانين المعمول فيها؛ ولكن ما هو مطبّقٌ على أرض الواقع، وفي الممارسة يختلف عن ذلك، فإنّ أجهزة الأمن تقوم بعمليات الاعتقال دون مذكرات توقيفٍ مسبقةٍ، وإنما تقوم بذلك بشكلٍ كيفيٍّ، والاحتفاظ بالمعتقلين غالباً ما يتمّ في فروع الأمن لمدةٍ تتراوح بين شهرٍ وستين يوماً قابلةٍ للزيادة، دون أيّ حقوقٍ للمعتقل، ودون أدنى معرفةٍ منه عن مكانه ودون معرفة ذويه عن مصيره خلال هذه الفترة.

“يقول المحامي ع.ع: ” مدة الاحتفاظ تتعلق بأهمّيّة الموقوف وأهمّيّة نشاطه قد يوقف شهراً ع الأقلّ وقد تستمر سنتين وقد لا يحوّل للقضاء أبداً وكذلك أساليب التّعذيب التي بالعموم أصبحت أخفّ من السّابق. وعموماً يمكن القول إن أسوء مراكز الاعتقال فرع فلسطين وفرع المنطقة والمخابرات الجويّة وفرع الشرطة العسكريّة وأسوء السجون سجن صيدنايا”

التوصيات:

  • الضغط باتجاه الكشف عن مصير جميع المعتقلين.
  • وقف الاعتقال بغرض السّوق للخدمة الإلزاميّة، واحترام قرار الاستنكاف الضميريّ.
  • الالتزام باتفاقيات المصالحات وحماية الأفراد الذين قاموا بتسوية أوضاعهم من الاعتقال، واعتبار القضاء مُلزمٌ بالتسويات.
  • توضيح أسباب الاعتقال بمذكرةٍ رسميّةٍ وفق القانون، والتّصريح عن مكان ووضع المعتقلين/ات والالتزام بعدم حرمانهم من أيٍّ من حقوقهم التي ينصّ عليها القانون، خاصةّ التواصل مع أهلهم ومع محاميهم والحصول على الخدمات الطبيّة.
  • الضغط باتجاه وقف التّضييق على النّشطاء المدنيين والتّهديد المستمر بالاعتقال.

يمكنكم تحميل الملف PDF من خلال الضغط هنا

 

Copyright © 2020 CCSD.