“حين تعبس المدن الكبيرة…يبتسم لك المخيم ”
هكذا قال أهل مخيم اليرموك في قلب العاصمة دمشق عندما فتحوا أبواب مخيمهم و بيوتهم و مدارسهم و جوامعهم لأهلهم في المناطق المجاورة أثناء تعرضها لقصف قوات النظام الأسدي.
في شهري تموز و آب من العام 2012 ،و في أثناء احتدام المعارك و اشتداد القصف على أحياء الحجر الأسود و التضامن و الميدان و نهرعيشة ،تحول مخيم اليرموك إلى ملجأ لكل من يبحث عن مأوى وعن أهل ،حيث دخل إلى المخيم أكثر من 10000 لاجئ ،توزعوا بين المدارس و الملاجئ المحدثة على عجل او حتى على بيوت اهل المخيم
في غضون ساعات تحول المخيم من حارة عادية في دمشق إلى مركز تجمع للاجئين و النازحين من مختلف المناطق من فلسطينيين و سوريين ،تحت إدارة شباب متطوع اثبت للعالم قدرة السكان على إدارة أزماتهم بنفسهم بدءاً من التعامل مع أزمة النازحين وصولاً إلى تأمين احتياجات المنطقة من خبز و دواء و ليس انتهاءً بالخدمات كالنظافة العامة و غيرها ،وذلك في ظل غياب كل الخدمات المؤسسية الرسمية. حيث تمت إدارة كافة مناحي الحياة من قبل فرق تطوعية نظمت نفسها على عجل لخدمة المنطقة و اهلها و ضيوفها كما يقول أهل المخيم…فكلمة لاجئ او نازح لم تكن متداولة…كلهم كانوا ضيوفاً…
يقول محمد وهو شاب من سكان المخيم (32 عاماً،خريج جامعي): ” المخيم هو سوريا مصغرة ،او نموذج مصغر عن سوريا…..هو وطن و مخيم و مأوى و منكوب حالياً”

مدارس المخيم كافة و خاصة المدارس التابعة لوكالة الأونروا تحولت لمساكن للآلاف بقرار من الوكالة،  لكن المدارس لم تكن لوحدها ،الجوامع و اقبية البنايات أيضاً. إدارتها و تنظيمها العالي يطرح أسئلة كبيرة عن الآلية التي تمّت بها و عن مقومات هذا التنظيم، هنا يقول محمد ” بطبيعة مخيم اليرموك كانت التجمعات الأهلية او الثقافية حاضرة دائماً، بشكل تابع للفصائل الفلسطينية او بشكل مستقل في كثير من الأحيان ،و لكني متأكد من انها حالة لا تقتصر على المخيم وهي قابلة للتعميم على مناطق أخرى في المجتمع السوري.
لم يخل الأمر من صعوبات كثيرة في الانخراط بهذه الحالة بالنسبة لكثير من الشباب المتحمس لتقديم كل مساعدة، صعوبات حسب محمد هي لوجيستية و مادية ابتداءً من تامين الحاجيات اليومية و ليس انتهاء بالحصول على دعم مادي ،و يتابع محمد بالحديث عن مجموعة كان يعمل معهم ” الصعوبة الأكبر كانت أن نحصل على دعم و نبقى مستقلين….الاستقلالية في هذا الزمن مكلفة جداً ” . برأي محمد فإن حالة الكثير من الفصائل الفلسطينية وصلت في هذا الزمن لمرحلة الاستعراض و هذا ما رفض الكثير من الشباب العمل في ظله ،حيث كان هدفهم العمل بغض النظر عن الجهة التي تقدم خدمة،و لكن هذه أبرز الصعوبات و منها تأمين الدعم خاصة أن غالب الدعم المادي يأتي من منظمات دولية تخصص دعمها للمنظمات غير الحكومية ،و يبقى على كاهل من يعمل مستقلاً تأمين تمويله و تكاليفه بشكل خاص ،كان في كثير من الاحيان من جيوبهم الخاصة.

القمامة المتراكمة في الشوارع شكلت أزمة بحد ذاتها ، و بالتأكيد لم يقبل أهل المخيم ان تتحول شوارعهم إلى مكبات للقمامة ،فكانت فكرة تنظيف الشوارع بشكل أهلي. بدأت الفكرة من مؤسسة جفرا للإغاثة و التنمية الشبابية  بإطلاق حملة تحت اسم  “المخيم بيتك…خليه نظيف” ، و عرضت الفكرة على عدد من الهيئات الأخرى في المخيم (مؤسسة بصمة ،هيئة الإسراء الخيرية(حماس) ، كشاف فلسطين ، و جمعية القدس) لتدخل حيز التنفيذ بكادر شبابي تطوعي من مختلف الفئات الاجتماعية و العمرية على مدى 3 ايام. الليث موسى (27 عاماً، خريج جامعي) ناشط سوري فلسطيني من منظمي الحملة لدى سؤاله عن الصعوبات التي واجهوها يقول أنه لم يكن هناك صعوبات حقيقية و ذلك بسبب تجاوب الشباب المتطوعين و كذلك الأهالي مع الحملة و حتى بالنسبة للتمويل لم يكن هناك صعوبة كبيرة فقد تأمنت تكاليف هذه الحملة بسهولة عن طريق تبرعات من كوادر الهيئات المشاركة و من أصدقاء ساهموا بما قدروا عليه، لتشكل تجربة متكاملة أضافت لهم الكثير  و لكن الأهم كان حسب الليث ” التشاركية بتجربة أولى بين المؤسسات الموجودة وظهور مؤسسات عمل أهلي متعاونة على عكس الفصائل التي اهترأت وتتصف بالتنازع وعدم الفعالية، و كذلك  استقطاب كوادر للمؤسسات ومتطوعين من الجنسين وبمعظمهم جامعيين وعندهم مواهب متنوعة وبين عمر ال 18 لل 24، أو بكلمات أخرى التنمية الشبابية كانت الهدف و النتيجة الأهم لهذا النشاط”.

و برأي الليث أن هذه التجربة لا تقتصر على المخيم ،فهي قابلة للتعميم على المجتمع السوري بكامله و يعلل ذلك بقوله ” المشكلة لم تكن في المجتمع السوري ،بل بطريقة الدولة والنظام بتكريس قوالب محددة وعدم تشجيع المبادرات وتنميط العمل و تأطيره بقالب واحد مثل منظمة الطلائع والشبيبة واتحاد الطلبة ،و غياب الحريات ،وبالتالي فإن القدرة على المبادرة والعمل الجماعي براحة كانت معدومة او مقيدة،منذ سنتين تغير الوضع تماما وحاليا هناك امكانية كبيرة للمبادرات والشباب متحمس و لديه افكار كثيرة  وراغب بالعمل الاهلي المنظم .في المخيم أفادنا  موضوع الخبرة التي كانت موجودة مسبقاً و  خاصة اليرموك الذي يوجد فيه اكبر نسبة من المتطوعين الشباب في سوريا..”

يختم الليث كلامه بتأكيده على اهميه نشر مبادرات الجمعيات الأهلية و ثقافة المجتمع المدني و التطوع  مع التركيز على أهمية تمكين المتطوع و تدريبه ، و يرى بأن المستقبل هو للإدارات المدنية بشرط أن تكون مندمجة مع حاضنتها الشعبية  و أن تكون مدروسة بحيث لا تخلق تضارباً مع مؤسسات الدولة التي ستنشأ، و هو واثق من نجاح هذا الأمر مستقبلاً لأنه يراهن على ” المناعة التي اكتسبها الشعب السوري “

ربما يكون مخيم اليرموك تجربة غير عابرة في المجتمع السوري و في الثورة السورية، و لكن الأكيد أننا بحاجة ماسة لتأهيل مجتمع ليدير نفسه في غياب أي سلطة مؤسسية، و من المؤكد أننا بعد سنوات من العيش في ظل نظام احتكر كل شيء لنفسه بما في ذلك شؤون المجتمع المدني فإن نشر هذه الثقافة لابد وأن يكون ضامناً لإعادة الحياة المجتمعية إلى مسلك يحفز كل فرد لأن يكون فاعلاً و يعيد الشعور بالانتماء للمحيط الحيوي و الاجتماعي بعيداً عن الروابط العصبية. فهل نكون على قدر هذه المهمة؟!

جنى يوسف

التقييمات السياسية الواردة ضمن حديث الشهود تعبر عن رأيهم وحسب ما أورده الكاتب

مركز المجتمع المدني والديمقراطية مستقل سياسيا ودينيا

Copyright © 2020 CCSD.