“المبادرات المحلية هي المفتاح لمستقبل سورية“
ماهالا ماتيه، مكتب سورية، الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية (EEAS)
في الفترة من 19 إلى 25 نوفمبر/تشرين الثاني، نظم مركز المجتمع المدني والديمقراطية (CCSD) بعثة مناصرة إلى أوروبا، لربط قادة المجتمع المدني السوري من المسار الثالث مع صناع القرار وأصحاب المصلحة. وكانت البعثة بمثابة تتويج لعملية دامت لمدة عام لاختيار قادة المجتمع المدني من المسار الثالث، وأيضاً لتنسيق العمل معهم للوصول إلى مساهمات مفيدة وملائمة لعمليتي التفاوض والانتقال السياسي.
من خلال جمع قادة المجتمع المدني السورية من المسار الثالث وجهاً لوجه مع أصحاب المصلحة الرئيسيين في أوروبا، عملت البعثة على إيصال أصوات النساء السوريات والمجتمع المدني، وعرضت توصياتها ومساهماتها على العديد من أصحاب المصلحة الأوروبيين، وقامت ببناء شراكات مع صنّاع القرار والمنظمات غير الحكومية الدولية في إيطاليا وبلجيكا وهولندا.
كما شارك الوفد في ست جلسات عامة، بحضور أشخاص ترواح عددهم بين 20 إلى 120 شخصاً. و شارك أيضاً بثمانية اجتماعات مع صنّاع السياسات والدبلوماسيين. وشملت الاجتماعات الرئيسية مع صنّاع السياسات والدبلوماسيين كلاً من المبعوث الخاص لسورية من إيطاليا وبلجيكا، ونائب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية (EEAS)، وكذلك رئيس فرقة العمل لعضوية هولندا في مجلس الأمن في عام 2018، ونائب وزير التعاون الإنمائي الهولندي. عُقدت اجتماعات أيضاً مع مختلف المنظمات الدولية غير الحكومية في إيطاليا وهولندا، والتقى الوفد مع العديد من اللاجئين السوريين.
خلال مهمة البعثة في أوروبا، كانت جميع النتائج الرئيسية متأصلة في أهمية الربط المباشر بين قادة المجتمع المدني السوري وبين صنّاع السياسات وقادة المجتمع المدني في أوروبا. وأدى عقد الاجتماعات والمناصرة التي جرت وجهاً لوجه إلى إيصال أصوات أصحاب المصلحة السوريين، الذين كثيراً ما تضيع أصواتهم جراء ارتفاع صدى التحليلات الدولية للعوامل الجيوساسية، والعوامل المهمة الأخرى. تقريباً كل المجموعات والأفراد الذين اجتمعوا بالوفد قد علّقوا على مدى أهمية الاستماع بشكل مباشر إلى السوريين الذين عانوا ومازالوا يعانون من الحرب. بالإضافة إلى ذلك، تم ضمان العديد من الالتزامات المحددة من جانب صنّاع القرار.
تألف الوفد من أعضاء CCSD، بالإضافة إلى أعضاء من الشبكات الشريكة. وشارك ما مجموعه ستة أشخاص كمندوبين، أربعة منهم نساء (عضوان من CCSD، وعضو من “شبكة أنا هي”، وعضوين من المنصة المدنية السورية (SCP)، وعضو واحد من “شبكة أمان”. بالإضافة الى فريق دعم.
” نحن مُلزمون بأن نصبح فاعلين رئيسيين في مستقبل سورية”
فابريزيو دي ميشيل، المبعوث الخاص إلى سورية، وزارة الخارجية الإيطالية
“الخبر السار هو أننا أقوياء وقادرين على تحقيق أهدافنا”
إسماعيل داود، مسؤول المجتمع المدني، منظمة ” منظمة أون بونتي بير”
مع استمرار الصراع في سورية، يشعر السوريون داخل سورية على نحو متزايد بتراجع الدعم الدولي للتوصل إلى حل سياسي ينقذ البلاد. وهناك قلق متزايد من أن واضعي السياسات وعامة الجمهور في أوروبا، لا يشاركون سوى بشكل محدود في الملف السوري، مما يؤدي إلى “تطبيع” العلاقات مع حكومة السورية ويؤكد ذلك حقيقة أن بعض الدول تنظر في إعادة فتح العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، وأن الانتعاش المبكر وإعادة الإعمار هما في مقدمة جدول الأعمال في مختلف مناقشات الاتحاد الأوروبي. وهذا الاتجاه نحو التطبيع يمكن أن يشكل سابقة خطيرة، فهو لا يضر فقط بآفاق السلام والاستقرار المستدامين في سوريا على المدى الطويل، بل يرسل إشارة واضحة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان والاستبداد يمكن أن يمر دون عقاب. وقد تم التعبيرعن هذا القلق باستمرار في مئات الدراسات الاستقصائية والمشاورات المجتمعية التي أجراها CCSD، والتي كانت السبب في القيام بحملة المناصرة هذه. – أجرى CCSD مشاورات ودراسات استقصائية شملت أكثر من 300 سوري يعيشون داخل سورية، ومن خلفيات وانتماءات مختلفة، وبعضهم يعيش في مجتمعات اللاجئين في البلدان المجاورة في تركيا، الأردن، لبنان وإقليم كردستان العراق.
في الوقت الذي أعرب فيه العديد من القادة المجتمعيين عن دعمهم لخطوات مثل اتفاقية “مناطق خفض التصعيد”، إلاّ أنهم أعربوا أيضاً عن مخاوفهم من أن تؤدي مثل هذه الخطوات إلى تقويض استقرار سورية على المدى الطويل، وإدامة العنف وترسيخه. ويرجع ذلك إلى أن مثل هذه الخطوات التي ترمي إلى تخفيض مستوى العنف هي نتيجة المحادثات التي تجري في أستانا، بدلاً من عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة. كما أن محادثات أستانا لا تقتصر على استبعاد النساء السوريات وأعضاء المجتمع المدني فحسب، بل أيضاً أصحاب المصلحة الأوروبيين الذين تم التواصل معهم خلال هذه الحملة.
خلال مهمة البعثة في أوروبا، كانت جميع النتائج الرئيسية متأصلة في أهمية الربط المباشر بين قادة المجتمع المدني السوري الموجودين على الأرض وبين صنّاع السياسات وقادة المجتمع المدني في أوروبا. وأدت الاجتماعات التي جرت وجهاً لوجه إلى إيصال أصوات أصحاب المصلحة السوريين. وقد أكدت تقريباً كل المجموعات والأفراد الذين اجتمعوا بالوفد على مدى أهمية الاستماع بشكل مباشر إلى السوريين الذين عانوا ومازالوا يعانون من الحرب. حيث أن استماع الجمهور إلى القصص الشخصية للسوريين الذين لديهم تجربة مباشرة مع الحرب قد أعطى منظوراً جديداً وأملاً متجدداً لهم.
تركزت توصيات السياسة العامة التي قدمها المندوبون على تجربتهم المباشرة في النزاع، وأيضاً في تنفيذ حلول محلية فعّالة
على الرغم من المآسي الشخصية العميقة التي عانى منها كل عضو من أعضاء الوفد، إلّا أنهم جميعاً يتشاطرون الرأي ذاته، وهو أن الحل السياسي القائم على بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254، هو السبيل الأمثل للمضي قدماً فيما يخص الشأن السوري، وأن الدعم الدولي لعملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة يجب أن يبقى قوياً. ويعبر هذا الرأي عن شعور الشبكات التي ينمتي إليها كل عضو، وقد أشار الوفد إلى هذه النقطة في كل اجتماع من الاجتماعات التي عقدوها. بالإضافة إلى ذلك، فقد تبادل أعضاء الوفد المخاوف بشأن الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية ومدينة إدلب، بما في ذلك الاستراتيجيات التي يتبعها النظام السوري في الغوطة الشرقية من قصف وتجويع. كما قدم الوفد توصياته بوجوب تخصيص 25٪ على الأقل من المساعدات إلى مجموعات المجتمع المدني السوري المحلي.
شملت النتائج الملموسة للبعثة على ما يلي:
” نريد حقاً أن نتفاعل معكم، لنعلم مالذي يُحرك المجتمع المدني. لدينا أدوار مختلفة ولكن علينا أن نستمع إليكم “
مارييت شورمان، فرقة العمل لعضوية هولندا في مجلس الأمن في عام 2018
نوفمبر/تشرين الثاني 2017
يواجه المدنيين السوريين في كل منطقة في سورية، العديد من القضايا التي تعتبر حاسمة بالنسبة لهم، ولها تأثير خطير على حياتهم اليومية، وتلعب دوراً رئيسياً في الهجرة. تشمل هذه القضايا المعتقلين، القصف الجوي، الحصار وانتهاكات حقوق الإنسان. وإذا ما استمر تهميش هذه القضايا في عملية السلام دون وجود آليات بديلة للتركيز عليها، سيبقى السوريين يشعرون بتخلي المجتمع الدولي عنهم، مما يشكل أرضية خصبة للعنف والتطرف.
لذلك يجب على المجتمع الدولي أن يدرس جميع آليات مكافحة انتهاكات حقوق الإنسان التي تؤدي إلى تصاعد التطرف والصراع، ودعم الإجراءات والآليات الدولية المحايدة والمستقلة وغيرها.
ونحث الاتحاد الأوروبي على إنشاء فرقة عمل ليس فقط لتقديم الدعم المالي للمناطق المحاصرة في سورية، ولكن أيضا للضغط على إيران وروسيا حلفاء النظام السوري لفتح الطرق وكسر الحصار في الغوطة الشرقية.
كما يجب دعم جهود جماعات المجتمع المدني المحلية في جميع أنحاء البلاد. حيث تعمل هذه المجموعات على القضايا التي تهم المدنيين السوريين على الأرض: المعتقلين، وقف إطلاق النار، الدعم الإنساني، نظام التعليم، الخ. ولديهم شرعية محلية، وهم على دراية بالاحتياجات المحلية، ولهم تأثير ملموس على القضايا التي تهم المدنيين السوريين.
تقوم المجموعات المدنية المحلية والقادة باتخاذ الخطوات لدعم قضايا المعتقلين وإطلاق مشاريع تعليمية، وتحسين ظروف الحياة في مخيمات النازحين داخلياً واللاجئين، بالإضافة إلى العديد من الأمور ذات الأهمية القصوى للمجتمعات المحلية.
تؤدي هذه الجهود التي يبذلها المجتمع المدني المحلي إلى إيجاد حلول أفضل على المدى القصير، فهذه المجموعات يمكنها تقديم أكثر الحلول استدامة ومراعاةً لظروف النزاع، ووجودها في ذات المجتمعات التي يعملون بها تمنحهم القدرة على رؤية الأمور بشكل أوضح، بالإضافة إلى امتلاكهم النفوذ والقدرة على الوصول. وتُسهم جهودهم أيضاً بتوفير حيزاً هاماً لمشاركة المدنيين بمختلف أطيافهم. حيث يشعر الناس بأن صوتهم له قيمة وأهمية عند المشاركة في الجهود الإيجابية، مما يقدم بديلاً جيداً وقوياً للعنف والمجموعات المتطرفة.
هذا لن يقتصر على تعزيز قدرة القيادات النسائية فحسب، بل يوسع أيضاً نطاق مشاركة النساء ليؤثرن على مجتمعاتهن. حيث تبيّن أن مشاركة المرأة الفعّالة في صنع القرار في مجتمعاتها لها آثار عديدة ملموسة وإيجابية، بما فيها مكافحة العنف والتطرف.
بالرغم من أن عملية جنيف في حالة من الجمود، إلا أنه من المهم مواصلة الضغوط لدعمها. فالسماح لعملية جنيف بأن تفقد زخمها من شأنه أن يفسح المجال أمام عملية أستانا، وغيرها مما يؤدي الى تفتيت وتجزيئ الحلول.
هناك أهمية كبيرة في مواصلة إشراك المدنيين السوريين بمختلف شرائحهم في عملية السلام – ولاسيما مواصلة إحراز تقدم في مجال تصور العملية الدستورية والانتخابية والإعداد لها على سبيل المثال. ومن شأن ذلك أن يبني قدرات السوريين للمساهمة في تسريع عملية الانتقال السياسي في البلاد ب عندما تكون الفرصة مواتية. من الضروري أيضاً التركيز بشكل خاص على إشراك المرأة، حيث تبيّن أن مشاركة المرأة من شأنها أن تحسن نتائج عمليات السلام، فضلاً عن استدامة تلك النتائج.
دعم إشراك النساء والمجتمع المدني في عملية السلام – ليس فقط من خلال غرفة دعم المجتمع المدني والمجلس الاستشاري للمرأة (WAB)، بل أيضاً من خلال المشاورات المباشرة مع المجتمعات المحلية في المسار الثالث من خلال منظمات المجتمع المدني والشركاء.
ينبغي على الاتحاد الأوروبي وغيره من أصحاب المصلحة الرئيسيين، الذين قد يشاركون في إعادة الإعمار، أن يبذلوا جهودهم في مجال الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار على أساس الحلول المستدامة على المدى الطويل، لذلك أي جهود لا ترتبط بالمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان ولا تأتي بعد توقيع اتفاقية السلام لن تبني سلاما مستداما كما أنها ستُضفي الصفة الشرعية على الديكتاتورية، وتديم التوترات والعنف. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي جهود لا تشمل اشراك حقيقي للمرأة ستؤدي إلى إدامة المعايير الجنسانية المجحفة. لهذا السبب، من الضروري مواصلة دعم عملية السلام في جنيف التي تضمن المرأة والمجتمع المدني، فضلا عن الانتقال إلى هيئة حكومية جديدة يمكن أن تقود جهود إعادة الإعمار.
ينبغي أن تتزامن جهود الإنعاش المبكر مع الجهود المتزايدة لإعادة بناء التماسك الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي على الصعيد المحلي. ولن يعود اللاجئون طالما أعمال العنف مازالت مستمرة، وفي معظم مناطق خفض التصعيد، مازالت تحدث توترات أو أعمال عنف بين مختلف الجماعات المسلحة. في هذا السياق، يجب أن يتم الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار بطريقة تتجنب كل أنواع الصراع، بحيث لا تديم العنف أو تغذي التطرف.
يجب أن تكون هناك مرحلة تحضيرية يقودها المجتمع المدني السوري لتحديد الاحتياجات، ويجب إشراك المجتمع المدني في تنفيذ عمليات الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار. من الضروري مراعاة ظروف النزاع والقضايا الجنسانية خلال المرحلة التحضيرية. فعلى سبيل المثال، قامت الحكومة السورية ببناء طرق في بلدة بلودان-وهي منطقة تحت سيطرة النظام السوري- المجاورة لبلدة الزبداني التي ليس فيها طرق، مما أدى إلى المزيد من التوترات بين المنطقتين. هذا مثال جيد يوضح لماذا ينبغي إبعاد الحكومة السورية عن قيادة عملية إعادة الإعمار.
أتاحت البعثة فرصاً هامة لتعزيز التواصل والتعاون مع مختلف صنّاع السياسات وأصحاب المصلحة. كما أتاحت الفرصة لأصحاب المصلحة الدوليين الرئيسيين للاستماع إلى وجهات نظر القادة المدنيين السوريين الذين يعايشون الصراع. فهناك حاجة إلى مزيد من التفاعل من أجل مواصلة الضغوط على الحكومات وأصحاب المصلحة الدوليين للحفاظ على الملف السوري على جدول أعمالهم. وستكون رؤية CCSD التي نُشرت حديثاً حول العملية السياسية مفيدة وفعّالة في توجيه جهود المناصرة.