بعد ثلاث سنوات على الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في ٦ شباط ٢٠٢٣ بقوة ٧.٨ درجات ، لم يعد التعافي في سوريا استجابة إنسانية طارئة فحسب، بل تحوّل إلى أزمة مركّبة تتداخل فيها آثار الزلزال مع كوارث مناخية متكررة، وكان آخرها الفيضانات العنيفة في شباط ٢٠٢٦ التي أغرقت المخيمات في شمال غرب سوريا، لتذكّر العائلات النازحة بهشاشة أوضاعها المستمرة، حيث دُمّرت المآوي وتلوّثت مصادر المياه وتفاقمت مخاطر الحماية، خصوصًا على النساء والأطفال.
في ظلّ تشابك مسار التعافي من الزلزال في سوريا مع تحديات إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب، لا بد أن تأخذ جهود التعافي والاستجابة الإنسانية أثر التغيرات المناخية بعين الاعتبار، وتستند قبل كل شيء إلى قيادة محلية حقيقية تنطلق من احتياجات المجتمعات المحلية. لا تزال النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني السورية في الصفوف الأمامية ويتحملون العبء الأكبر في مواجهة الضغوط السياسية المتقلبة، وفي تضميد الجراح النفسية وإحياء سبل العيش كما كانوا أول من استجاب للزلزال على أرض الواقع.
عقب الزلزال مباشرة، أطلق مركز المجتمع المدني والديمقراطية حملة #معًا، وهي حملة استجابة عاجلة تهدف تمكين الفاعلين المحليين مستندة إلى شراكات مع أكثر من أربعين منظمة محلية في شمال غرب سوريا وتركيا، وقدّمنا مساعدات منقذة للحياة لأكثر من مئة ألف شخص. لم يقتصر الدعم على الغذاء والمأوى والتدفئة، بل شمل الإسناد النفسي والإداري الذي مكّن ودعم الشركاء المحليين من مواصلة العمل وسط حجم الكارثة.
و في العام الفائت ومع انتقال الأزمة إلى مرحلة تعافٍ طويلة الأمد، ركّزنا على مبادرات مجتمعية تجسر الفجوة بين الاكتفاء بالبقاء على قيد الحياة والحفاظ على كرامة المستفيدين والمستفيدات والفجوة بين العمل الإنساني ومسارات بناء السلام. ففي عفرين، حيث لا تزال البنية التحتية متردية للغاية، حرصنا على الجمع بين الحلول التقنية العملية وجهود التوعية التي يقودها المجتمع المحلي في مجال النظافة والصحة العامة و قمنا بتركيب ٨٠ مصباحًا يعمل بالطاقة الشمسية وتوفير أنظمة تنقية مياه مستدامة لـ١٣٠ عائلة. في عام ٢٠٢٥، امتدّت تدخلاتنا لتشمل أكثر من ١٠٠,٠٠٠ مستفيد/ة في شمال غرب سوريا، كما قدّمنا دعماً نفسياً متخصّصاً لنحو ٣٠٠ من الفاعلين/ات في منظمات المجتمع المدني مما أسهم في ترسيخ قدرة هؤلاء الفاعلين/ات على الصمود، وتعزيز جاهزيتهم لمواصلة دورهم المحوري في مساندة المجتمعات المحلية على مسار التعافي وإعادة البناء.
خلال عام ٢٠٢٦ يلتزم مركز المجتمع المدني والديمقراطية استراتيجياُ بمواجهة هذه التحديات المستمرة من خلال:
١- تمكين منظمات المجتمع المدني المحلية
ندعم المنظمات المحلية، ومع التركيز على المنظمات التي تعمل مع النساء والشباب، لإعادة بناء البنية التحتية وسبل العيش في مجتمعاتهم المحلية.
٢- تقديم الدعم النفسي للعاملين/ات في القطاع المدني
تعزيز القدرة على الصمود يتطلب رعاية الأشخاص الذين يقودون جهود الاستجابة. يقوم مركز المجتمع المدني والديمقراطية بتنظيم أدوات إلكترونية وجلسات إرشاد فردية للناجين/ات والعاملين/ات الإنسانيين/ات في الخطوط الأمامية الذين يواجهون ضغوطا مزمنة وصدمات ثانوية.
٣- تعزيز الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي
أدت أوضاع النزوح و الاكتظاظ في المخيمات إلى زيادة كبيرة في مخاطر العنف ضد النساء والفتيات. سيواصل مركز المجتمع المدني الديمقراطية تقديم الدعم المالي والخبرات التقنية للمنظمات النسوية لتوسيع آليات الحماية و المساحات الآمنة.
ندعو منظمات المجتمع المدني السورية إلى الانخراط في منتدياتنا التعاونية، كما نحث الفاعلين/ات في المجتمع المدني، ولا سيّما الشباب، الاستفادة من خدمات الدعم النفسي عبر الرابط التالي. ونحثّ القيادات النسائية في منظمات المجتمع المدني على الانضمام إلى مساحة من أجل التعاون والمشاركة في إصلاحات قطاعية من منظور يراعي قضايا النوع الاجتماعي.
وندرك أن منظمات المجتمع المدني السورية تحتاج اليوم الاستثمار في إعادة البناء والاستجابة للاحتياجات المجتمعية المتغيرة، إلى جانب تعزيز بنيتها المؤسسية عبر الحفاظ على الكوادر المتخصصة، ومعالجة آثار الصدمة والإجهاد لدى العاملين/ات، وترسيخ سياسات حسّاسة للنوع الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، ندعو الجهات المانحة والمؤسسات الإقليمية والدولية إلى توفير تمويل مرن وطويل الأمد للمنظمات السورية، ودعم خدمات الرعاية النفسية والاجتماعية، وضمان إدماج السياسات المراعية للنوع الاجتماعي في مختلف قطاعات التعافي.
